السيد كمال الحيدري

229

اللباب في تفسير الكتاب

القرآن موضع ذكر منفرداً ، بل هو دائماً منضمّ إلى اسم « الربّ » أو « الغفور » أو « الودود » كبقيّة أسمائه الحسنى المنضمّ بعضها إلى بعض مثل قوله : ( ان الله غفور رحيم ) ( النور : 62 ) ، ( وان ربك لهو العزيز الرحيم ) ( الشعراء : 9 ) ، ( بلده طيبه ورب غفور ) ( سبأ : 15 ) ، فهذه الآيات وغيرها متماثلة في الجهة الوصفية والدلالة عليه بالانضمام إلّا في صورة النداء أو الاستغاثة أو اليمين أو غيرها ممّا له الانطباق الذاتي عليه تعالى كقولك : « ياربّ ، يا رحيم » وغير ذلك . وهذا التحليل الذي ذكر في هذا الفرق إنّما هو من باب ظهور الأسماء والأوصاف ، وأمّا التحقيق الواقعي وبالذات فالكلّ ينتهى إليه تعالى ، لا يبقى لأحد من جمال أو كمال أو حسن إلّا ويرجع إلى الله وحده . الثالث : التمييز بين هذين الاسمين من خلال دلالتهما على الرحمة الثابتة له تعالى ، وقد ذكرت في كلمات الأعلام وجوه : الوجه الأوّل : أنّ « الرحمن » صيغة مبالغة تدلّ على ثبوت الرحمة وكثرتها ، و « الرحيم » صفة مشبّهة تدلّ على الثبات والبقاء ، ومن خصائص صيغة « فعلان » أنّها تستعمل في اللغة للصفات العارضة مثل : « عطشان ، غرثان ، غضبان » أمّا صيغة فعيل فإنّها تستعمل غالباً في الغرائز واللوازم غير المنفكّة كالأخلاق والسجايا في الناس مثل : « عليم ، حكيم ، حليم ، قدير ، شريف ، وضيع ، سخىّ ، بخيل . . . » . وعليه فالفارق بين الصفتين : أنّ « الرحيم » يدلّ على لزوم الرحمة للذات وعدم انفكاكها عنها ، و « الرحمن » يدلّ على ثبوت الرحمة فقط . فإن قيل : إنّ هذا التمييز وإن كان صحيحاً بالنسبة إلى ذات اللفظين حين الإطلاق على المخلوق ، وأمّا من حيث إضافتهما إلى الله عزّ وجلّ فلا وجه للمبالغة بالنسبة إليه تعالى ، لأنّ صفاته بالنسبة إليه تعالى غير محدودة فلا تجرى المبالغة فيها .